ابن عجيبة

94

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

تقتضى التسليم ، والعزة تقتضى التعظيم ، فإن العزيز هو الذي يفعل ما يريد ، ولا يغلبه غيره ، ولا يمتنع عليه شئ أراده ، فاقتضى الكلام تفويض الأمر إلى اللّه في المغفرة لهم أو عدمها ؛ لأنه قادر على كلا الأمرين لعزته ، وأيهما فعل فهو جميل لحكمته . وقال أبو جعفر بن الزبير : إنما لم يقل الغفور الرحيم ؛ لئلا يكون شفيعا لهم بطلب المغفرة ، فاقتصر على التسليم والتفويض ، دون الطلب ، إذ لا نصيب في المغفرة للكفار . أنظر بقية كلامه . قال التفتازانيّ : ذكر المغفرة ، يوهم أن الفاصلة : ( الغفور الرحيم ) ، لكن يعرف بعد التأمل أن الواجب هو العزيز الحكيم ؛ لأنه لا يغفر لمن يستحق العذاب إلا من ليس فوقه أحد يرد عليه حكمه ، وهو العزيز ، أي : الغالب ، ثم وجب أن يوصف بالحكمة على سبيل الاحتراس ؛ لئلا يتوهم أنه خارج عن الحكمة . ه . قال اللّه تعالى : هذا أي : يوم القيامة يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ أي : هنا ينتفع الصادقون في الدنيا بصدقهم ، ويفتضح الكاذبون على اللّه بكذبهم . والمراد بالصادقين ؛ أهل التوحيد ، الذين نزهوا اللّه تعالى عما لا يليق بجلاله وجماله ، فصدقوا فيما وصفوا به ربهم . ثم ذكر ما وعدهم به ، فقال : لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ حيث رضوا بأحكامه القهرية والتكليفية ، ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ، لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، وهذا تنبيه على تكذيب النصارى ، وفساد دعواهم في المسيح وأمه ، وإنما لم يقل : ومن فيهن ، تغليبا لغير العقلاء ، وإنما غلب غير أولى العقل للإعلام بأنهم في غاية القصور عن معنى الربوبية ، وإهانة لهم وتنبيها على أنهم جنس واحد ، فمن يعقل منهم لقصور عقله ونظره كمن لا يعقل ، فيبعد استحقاقهم للألوهية التي تنبىء عن تمام الحكمة وإحاطة العلم . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : كل من صدّر نفسه للشيخوخة من غير إذن ، وأشار إلى تعظيمه بلسان الحال أو المقال يلحقه العتاب يوم القيامة فيقال له : أأنت قلت للناس عظمونى من دون اللّه ؟ فإن كان مقصوده بالأمر بالتعظيم الوصول إلى تعظيم الحق تعالى ، والأدب معه في الحضرة دون الوقوف مع الواسطة ، وبذل جهده في توصيل المريدين إلى هذا المقام ، يقول : سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ، إلى تمام ما قال السيد عيسى عليه السّلام ، فيقال له : ( هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ) . وإن كان مقصوده بالتصدر للتعظيم والأمر به ، حظ نفسه ، وفرح بتربية جاهه والإقبال عليه ، افتضح وأهين بما افتضح به الكاذبون المدعون . نسأل اللّه تعالى الحفظ والرعاية بمنّه وكرمه ، وسيدنا محمد رسوله ونبيه - صلى اللّه عليه وسلم ، وعلى آله وصحبه وسلم - .